السيد محمد تقي المدرسي

246

من هدى القرآن

ملائكته ، وما يعرج فيها من ملائكة وأعمال ونيات ، وهو مع خلقه أنى كانوا . وهو المالك الحق للسماوات والأرض ، وإليه ترجع الأمور ، فهو المقدر المدبر وإليه المصير ، وآية تدبيره توالج الليل والنهار في الصيف والشتاء وعلمه بذات الصدور . كل ذلك يحملنا على الإنفاق في سبيل الله ، وهو موضوع الدرس التالي . بينات من الآيات : [ 1 ] إن للكائنات شعورا يسبحن عبره بحمد ربهن ، كل بقدره وبلغته ، إذ سواء وَعَيْنَ ذَاتَهُنَّ أو بَصُرْنَ آفاق الخلق فهن يرين تجليات الرب ، وبعجز ذاتها تستدل على قدرته تعالى ، وبزوالها تستدل على بقائه سبحانه ، وبحدوثها تستهدي إلى أنه القيوم الذي لم يزل ولا يزال ولن يزول ، وأما عن الآفاق فهي أنى رمت ببصرها ترى آثار خلقه وتدبيره تعالى ، لذا فالخلق كلهم ينزهونه عن النقص والعيب . سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إنه تسبيح قديم قدم كل مخلوق ، إذ يبدأ معه منذ اللحظة الأولى لنشأته بواسطة الله من بعد العدم ، ولكن كيف تسبح الأشياء ربها ؟ ! . نتصور لذلك معنيين : الأول : أن خلقة كل شيء تهدي إلى نقصه وعجزه ومحدوديته ، وذلك بدوره شاهد صدق على كمال خالقه وقدرته وتعاليه عن الحد والقيد ، وبالتالي شاهد صدق على أنه سبوح قدوس متعال منزه عن أي نقص وعجز وتحديد . الثاني : أن الأمر لا يقف عند هذا الحد ، بل لكل شيء إحساس بقدره يعرف به الخالق ، ولغة مخصوصة يعبر بها عن معرفته ، فإذا به يسبح له . ونحن بنظرنا وتفكُّرنا نهتدي إلى التسبيح بالمعنى الأول ، ولكننا نَقْصُر عن فهم المعنى الثاني ، يقول تعالى : تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] ، وقال يحدثنا عن حضارة داود عليه السلام : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ [ الأنبياء : 79 ] ، والخلق كلهم متساوون تكوينيًّا في التسبيح لله ، وإنما يتفاوتون ويختلفون في النوع الآخر ، وإن أحدا لا يستطيع أن ينكر وجود شعور ولغة عند كل شيء ، فما أوتينا من العلم إلا قليلا ، وجهلنا لا يُغَيِّر من الواقع شيئا ، فنحن لا زلنا في الخطوة الأولى من طريق ذي آلاف الأميال في مسيرة العلم والمعرفة ، قال ربنا